لماذا قتل عثمان رضي الله عنه ؟ ((3 ))القسم الثالث

كتبهامحمد ، في 6 أغسطس 2008 الساعة: 19:18 م

رابعاً:حميه الحمى:

ومنها حميه الحمى (1 ) فلما قدم أهل مصر المدينةَ، واستقبلهم عثمان رضي الله عنه قالوا له: ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح السابعة - وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأ حتى أتى قوله تعالى: { قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} سورة يونس، الآية (59)
فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفتري؟.
فقال عثمان رضي الله عنه: امضه نزلت في كذا وكذا(2 ) فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه..( 3).
ورُوي أن عائشة رضي الله عنها قالت للخارجين على عثمان رضي الله عنه: اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له: إنكم عبتم على عثمان في ثلاث خلال.. وذكرت منها، وموضع الغمامة، أي الحمى(4 ).
فبذلك يظهر أن الخارجين أظهروا أنهم سوغوا الخروج على عثمان بحميه الحِمى إلا أنهم لم يفصحوا عن المكان الذي حماه عثمان رضي الله عنه ويظهر ردّ عثمان رضي الله عنه أن المقصود حميه الحِمى لإبل الصدقة، فلم يعترضوا عليه بعد ردّه عليهم.
ويذكر المحب الطبري أن المقصود: هو بقيع المدينة، وأنه منع الناس منه، وزاد في الحمى أضعاف البقيع، ولكنه لم يسنده ولم يعزه( 5 )وهو متأخر بعيد عن الأحداث فقد توفى سنة 694?.
وفي رد عثمان رضي الله عنه على أهل مصر كفاية، وغنية، فقد ألقمهم حجراً فخرسوا عن الجواب، فإن عثمان رضي الله عنه لم يبتدع في حمي الحمى، بل سبقه إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عمر رضي الله عنه، فقد حمى عمر رضي الله عنه الشرف، والرّبذة( 6 ) لنعم الصدقة(7 ) وهذا يدل على جواز أصل حمي الحمى للخليفة، وهو مذهب الشافعية، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم( 8 )
فالزيادة للحاجة جائزة -أيضاً- لجواز الأصل، وقد احتاجت إبل الصدقة في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه إلى زيادة الرقعة المحمية لزيادة عدد إبل الصدقة، مما يدل على كثرة الخيرات في خلافته رضي الله عنه.
ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمى في قوله: “لا حمى إلا لله ولرسوله” ( 9 ) إنما هو نهي عن حمى الجاهلية الذي يخص به رئيس القبيلة نفسه دون غيره( 10 )
أما ما فعله عثمان رضي الله عنه فإنما كان لمصلحة المسلمين عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيّده راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته… فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته” (11)
ومما يذكر أنهم عابوه عليه في حمي الحمى إلا أنه لم يرد فيه إسناد( 12)ما ذكره المحب الطبري: من أنهم نقموا عليه حميه لسوق المدينة في بعض ما يباع ويشترى، فقالوا: لا يشتري منه أحد النوى حتى يشتري وكيله من شراء ما يحتاج إليه عثمان رضي الله عنه لعلف إبله( 13).
ثم ردّ على ذلك بقوله: “وهذا مما تُقُوِّل عليه واختلق، ولا أصل له، ولم يوجد له إسناد، وعلى تقدير صحة ذلك، يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة، وألحقه بحمى المرعى لها ؛ لأنه في معناه”.
كما ذكر أيضاً أنهم سوغوا خروجهم عليه بحميه البحر من أن تخرج فيه سفينة إلا في تجارته، ثم قال: “ولا يقول بذلك عاقل، وغاية ما يقال على تقدير صحة النقل في ذلك يحمل على أنها كانت ملكاً له، لأنه كان منبسطاً في التجارات، متسع المال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر، وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه”( 14).
وهذه ردود منه -رحمه الله- على فرض صحة النقل، ولكن لم يثبت لأي شيء منها إسناد يعتد به.
__________
1 الحمى: هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، ابن حجر، فتح الباري (5/44)
2- هكذا في الرواية.
3- خليفة بن خياط، التاريخ (168-169 والبزار، كشف الأستار (4/ 90-91)، وابن أبي شيبة، المصنف (15/ 215-220)، والطبري، تاريخ الأمم والملوك (4/354-356)، وإسحاق بن راهويه، كما في المطالب العالية (4/ 354-356) وذكره المحب الطبري، الرياض النضرة (3/ 60)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [64].
4-رواه عبد الله بن أحمد، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (1/ 452، وإسناده ضعيف، ففيه عبد الملك بن عمير، وقد اختلط، ولم تتميز رواية الراوي عنه أكانت قبل اختلاطه أم بعده، وفيه أيضاً عنعنة عبد الملك وهو مدلس، ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة من المدلسين. انظر الملحق الرواية رقم: [61].
5- الرياض النضرة (3/ 83، 93).
6- رواه البخاري في صحيحه تعليقاً (فتح الباري 5/ 44)؛ والشرف: موضع بالقرب من مكة، والرّبذة موضع بين مكة والمدينة، ابن حجر، فتح الباري (5/ 45).
7-رواه ابن أبي شيبة بإسناد صححه الحافظ ابن حجر، (فنح الباري 5/ 45).
8- ابن حجر، فتح الباري (5/ 44- 45).
9- رواه البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (5/ 44).
10- ابن حجر، فتح الباري (5/ 44- 45).
11- رواه البخاري، الجامع الصحيح (فتح الباري 5/181).
12- والأصل أن أذكر ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل، ولكن آثرت أن أذكره في هذا الموضع لدخوله في حمي الحمى عموماً، وقد نقموا عليه ذلك فلعل هذه الأوجه من الحمى تدخل فيه.
13- الرياض النضرة (3/83 ).
14- المصدر السابق : (3/ 93).

************************************************** **

خامساً: جمع القرآن:ورد بإسناد صحيح ما يدلّ على أن الخارجين على عثمان رضي الله عنه كانوا يعيبون عليه جمعه للمصاحف، وأن علياً رضي الله عنه كان يقول لهم: “يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً، أو قولوا له خيراً في المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا”1.
وورد بإسناد صحيح أيضاً إلى أبي مجلز المتوفي سنة 106 أو سنة 109هـ أنه قال: “عابوا على عثمان تمزيق المصاحف، وآمنوا بما كتب إليهم”2.
وذكر المحبّ الطبري: أن مما نقم على عثمان رضي الله عنه إحراقه مصحف ابن مسعود، ومصحف أُبَيٍّ، وجمعه الناس على مصحف زيد بن ثابت3ثم ردّ عيهم4.
وذكر أبوبكر بن العربي: أنهم قالوا: “وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف”5 ثم ردّ عليهم6.
وقبل بيان بطلان هذا العيب الذي ألصق بعثمان رضي الله عنه، أسوق قصة جمع القرآن من بدايتها في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى نهايتها في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه ليتضح الأمر وينجلي.
فلنعد إلى أعقاب معركة اليمامة، وذلك عندما علم عمر رضي الله عنه أن عدداً من القراء قد استشهدوا في هذه المعركة، ففكر بعقله الواعي المتميز ببعد النظر، وسلامة التفكير في أثر هذا الحادث على الأمة الإسلامية، فخشي أن يستحر(7 )القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، فجاء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وهو الخليفة يومئذ وأبلغه بما يخشاه، ثم اقترح عليه أن يأمر بجمع القرآن، ولكن أبا بكر الصديق تردد في قبول ذلك، وقال:كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر:هذا والله خير، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره، ورأى رأي عمر.
فأرسل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه وأخبره بالحوار الذي دار مع عمر، فقال زيد رضي الله عنه: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلم يزل يراجعه أبوبكر حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.
وبيَّن أبوبكر لزيد سبب اختياره للقيام بهذه المهمة العظيمة بأنه شاب عاقل لا يتهمه، وقد كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أمره بتتبع القرآن وجمعه، وبلغ الأمر عند زيد مبلغاً عظيماً، حتى إنه كان يقول: “فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن”.
فانطلق زيد يتتبع القرآن يجمعه من العُسُب(8) واللِّخاف(9 ) وصدور الرجال حتى أتم جمعه”.
فبقيت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر، وبعد وفاته انتقلت إلى عمر رضي الله عنه وبعد استشهاده انتقلت إلى ابنته حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم( 10 )
واستمر الأمر على ذلك حتى مضت سنة كاملة من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه(11 )حين قام الجيش الإسلامي العراقي، والشامي بفتح أرمينية وأذْرَبيجان.
وكان في هذا الجيش العظيم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فرأى في صفوف الجيش وبين الجند اختلافاً في قراءة القرآن، حتى إنه سمع من اختلافهم ما يكره(12 )كما رأى أيضاً في البصرة نحواً من ذلك(13 )
وركب رضي الله عنه إلى عثمان بن عفان( 14 )فقال له: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في الكتب، ففزع لذلك عثمان بن عفان، وجمع الصحابة - وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال:
ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً؟.
فقالوا: ما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف، فقالوا: فنعم ما رأيت.
فأرسل إلى حفصة -رضي الله عنها- أن أرسلي إلينا بالصحف التي جُمع فيها القرآن؛ لننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه.
فقام يحث الناس على تسليم ما لديهم من القرآن قائلاً: أيها الناس، عهدكم بنبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة سنة( 15 )وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون: قراءة أبيّ، وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعزم على كل رجل منكم، ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به.
فاستجاب الناس، فكان الرجل يجيء بالورقة، والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة.
ثم دخل عثمان رضي الله عنه فدعاهم رجلاً رجلاً، وناشدهم بالله: لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم.
ثم قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت.
قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص( 16 )فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا( 17 )ونسخوا الصحف في المصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة.
وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار( 18 )
وبعد أن سردت قصة جمع القرآن منذ بدايتها وحتى انتهائها، نعود إلى ما نُقل عن بعضهم من تحويل هذه الفضيلة من فضائل عثمان رضي الله عنه إلى عيب يعاب به.
فإنَّ عثمان رضي الله عنه لم يبتدع في جمعه المصاحف؛ بل سبقه إلى ذلك أبوبكر الصديق رضي الله عنه كما أنه لم يصنع ذلك من قبل نفسه، إنما فعله عن مشورة للصحابة رضي الله عنهم وأعجبهم هذا الفعل، وقالوا: نعم ما رأيت، وقالوا أيضاً: قد أحسن؛ أي: في فعله في المصاحف.
فقد أدرك مصعبُ بن سعد صحابةَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ حين مشق( 19 )عثمان رضي الله عنه المصاحف فرآهم قد أُعجبوا بهذا الفعل منه(20 )
وكان علي رضي الله عنه ينهى من يعيب على عثمان رضي الله عنه بذلك ويقول: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً –أو قولوا خيراً- فوالله ما فعل الذي فعل -أي في المصاحف- إلا عن ملأ منا جميعاً أي الصحابة… والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل(21 )
وبعد اتفاق هذا الجمع الفاضل من خيرة الخلق، على هذا الأمر المبارك، يتبين لكل متجرد عن الهوى، أن الواجب على المسلم الرضا بهذا الصنيع الذي صنعه عثمان رضي الله عنه وحفظ الله به القرآن.
ولم يثبت أن ابن مسعود رضي الله عنه خالف عثمان في ذلك، وكل ما روي في ذلك ضعيف الإسناد، -حسب ما وقفت عليه من الروايات-.
كما أن هذه الروايات الضعيفة التي تتضمن ذلك، تثبت أن ابن مسعود رجع إلى ما اتفق عليه الصحابة في جمع القرآن، وأنه قام في الناس وأعلن ذلك، وأمرهم بالرجوع إلى جماعة المسلمين في ذلك.
وقال: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، ولكن ينتزعه بذهاب العلماء، وإن الله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، فجامعوهم على ما اجتمعوا عليه، فإن الحق فيما اجتمعوا عليه… وكتب بذلك إلى عثمان( 22 )
وأما ما ذُكر من أن ابن مسعود رضي الله عنه خطب بالكوفة فقال: “أما بعد: فإن الله قال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وإني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل”(23 )
فإني لم أقف على إسناده، وأقدم من ذكره ابن العربي المتوفى سنة 543?، وبينه وبين الحادثة ما يزيد على خمسة قرون.
وهل يتوقع حصول ذلك ممن ترك القصر في منى خشية من الخلاف والفتنة ومتابعة للخليفة؟ لا والله، لا يتوقع منه أن يصعد المنبر، ويحرض الناس على الخلاف.
مع أن القصر في منى عليه أدلة واضحة، تؤيد مذهب ابن مسعود فيه، بخلاف جمع القرآن فإنَّ الصحابة أجمعوا عليه، فهل يعقل أن يتابع ابن مسعود عثمان رضي الله عنهما فيما يدل على خلافه دليل واضح خشية الخلاف، ثم يخالفه فيما أجمع عليه إخوانه الصحابة رضوان الله عليهم بل ويحرض الناس على الخلاف بواسطة منبر الكوفة، وهو القائل: “إن الخلاف شر”. فما أوهن هذه القصة، وما أحمق من لفقها.
وأما حرق أو خرق ما سوى مصحف عثمان رضي الله عنه، فإنه جائز إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد سلم بذلك الصحابة كلهم(24)
فما أتمه عثمان رضي الله عنه من جمع المصحف وتثبيته وتوحيد رسمه فإنَّ له به أعظم المنة على المسلمين، وبه حقق الله وعده في قوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} سورة الحجر، الأية (9).وأقر على عمله، وأمضاه برسمه وتلاوته في جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به من أعظم حسناته، كما أن البغاة أنفسهم الذين عابوا عليه ذلك، كانوا في خلافته وبعدها يقرؤون في مصاحف عثمان التي أجمع الصحابة عليها(25 )
والمقصود من كان منهم على بعض الخير ممن غرر به، أما أولئك المغرضون الزنادقة أمثال ابن سبأ، فلا تتوقع منهم قراءة قرآن، ولا فعل أي عبادة إلا نفاقاً وتستراً بها، وتغريراً لمن لا يعرف حقيقتهم، فإنهم إن قرأوا القرآن فإنهم لا يتجاوز حناجرهم كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه للخوارج.
ويظهر من قصة جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه مدى فهم الصحابةرضي الله عنهم لآيات النهي عن الاختلاف، حيث إن الله نهى عن الاختلاف وحذر منه، فلعمق فهمهم لهذه الآيات ارتعد حذيفة رضي الله عنه عندما سمع بوادر الاختلاف في قراءة القرآن، فرحل فوراً إلى المدينة النبوية، وأخبر عثمان رضي الله عنه بما رأى وبما سمع، فسرعان ما قام عثمان يخطب الناس؛ يحذرهم من مغبة هذا الخلاف، ويشاور الصحابة رضوان الله عليهم في الحل لهذه المحنة التي بدأت بالظهور، وفي مدة قصيرة يحسم الأمر ويغلق باب الخلاف الذي كاد أن ينفتح، بجمع الصحف ونسخها في مصحف واحد من المصادر الموثوقة جداً.
وبإغلاق باب الفتنة هذه فرح المسلمون، بينما اغتاظ المنافقون الذين كانوا قد استبشروا ببوادر الخلاف التي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، ويسعون إلى تحقيقها.
ولما حسم الخلاف، ولم يجد أولئك طريقاً إلى استنهاضه، ازداد حقدهم على حاسمه ومغلق بابه وسعوا في التشنيع عليه وتصوير حسنته هذه سيئة، وتلمسوا في سبيل إثبات ذلك خيوط العنكبوت الواهية، ليطعنوا فيه ويسوغوا خروجهم عليه بها، مظهرين للناس أن هذه الحسنة سيئة تستوجب الخروج عليه.
وهذا ينبه المسلمين في كل زمان، ويعتبر به عقلاؤهم، فيسارعوا إلى رقع كل خلاف بينهم على أساس صحيح، مع المحافظة على أصول الإسلام، دون التنازل عن الحق، أو التسامح في شيء من الأصول عقيدة وشريعة.

__________
1 رواه ابن أبي داود، (المصاحف 28029العلمية انظر الملحق الرواية رقم: [44]
2 رواه ابن أبي شيبة (المصنف 15/ 210)، انظر الملحق الرواية رقم: [ 133]
3 الرياض النضرة (3/87).
4 المصدر السابق : (3/ 99).
5 العواصم من القواصم (76 ).
6 المصدر السابق : (80-85).
7- يستحر: استحر القتل أي؛ اشتد (القاموس المحيط للفيروز آبادي 2/8.
8- العسب: جمع عسيب، أي جريدة من النخل، وهي السعفة مما لا ينبت عليه الخوص (النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين ابن الأثير 3/234
9- اللخاف: جمع لخفة، وهي حجارة بيض رقاق (النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين ابن الأثير 4/244.
10- صحيح البخاري، فتح الباري (8/344)، (9/10-11).
11- ابن حجر، فتح الباري (9/17).
12- صحيح البخاري، فتح الباري (9/ 11)، والطبراني (كما في تاريخ دمشق لابن عساكر)، ترجمة عثمان، 234 وإسناده من الطبراني صحيح، انظر الملحق الروايتين: [30 و45].
13- ابن أبي داود، المصاحف، (ط العلمية 18، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (233- 234)، وفيه رجل لم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [172].
14- الطبراني، كما في تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة عثمان (234)، والإسناد من الطبراني
15- انظر فتح الباري (9/ 17).
16- ابن أبي داود، المصاحف (23- 24)، ط قرطبة، 31 ط العلمية، وفي الإسناد مجهول، انظر الملحق الرواية رقم: [143].
17- صحيح البخاري، فتح الباري (9/ 9) وهو في الملحق الرواية رقم: [29].
18- رواه الطبراني في الرواية التي تقدم تخريجها، وأصله في صحيح البخاري، الفتح (9/11، انظر الملحق الرواية رقم: [30].
19- المشق هو: الحرق (ابن منظور، لسان العرب 10/ 344.
20- البخاري، التاريخ الصغير (1/ 94)، وإسناده حسن لغيره، انظر الملحق الرواية رقم: [142].
21- ابن أبي داود، المصاحف (28- 30)، العلمية، ومن طريقه ابن عساكر (241- 242)، ورواه أيضاً من غير طريقه (237- 239)، وإسناده صحيح، وقد صححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري 9/ 18، انظر الملحق الرواية رقم: [44].
22- ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (239- 240) من رواية سيف بن عمر التميمي، وهو ضعيف، انظر الملحق الرواية رقم: [290].
23- العواصم من القواصم (84، وانظر المسند لأحمد (1/ 414) والمصاحف لابن أبي داود، طبعة العلمية (ص: 21- 23) فقد روي فيهما أن ابن مسعود قال ذلك، وليس في الرواية أنه خطب به في الكوفة.
24- ابن العربي، العواصم من القواصم (83).
25- ذكر ذلك محب الدين الخطيب، العواصم والقواصم (ص: 82) حاشية (80)

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر