لماذا قتل عثمان رضي الله عنه؟ القسم الثاني((2))

كتبهامحمد ، في 6 أغسطس 2008 الساعة: 02:58 ص

ثانياً: توليه يوم أحد عن المعركة :
ومنها توليه عن القتال، في معركة أحد التي وقعت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، بين المسلمين، والمشركين بالقرب من جبل أحد، الذي يقع شمال المدينة النبوية.
وكان المسلمون قد انتصروا في أول المعركة، وقتلوا عدداً من المشركين، وفي ذلك يقول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} سورة آل عمران، جزء من الآية (152).
ونتيجة لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم من بعض المقاتلين فقد المسلمون مواقعهم، وأخذوا يقاتلون دون تخطيط، فلم يستطيعوا تمييز بعضهم من بعض وأسقط في أيديهم، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانباً دون قتال، في حين آثر آخرون الموت على الحياة فقاتلوا حتى الموت(1 )
وقد ذكر الله جل وعلا خبر فرار من فر، وعفوه عنهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} سورة آل عمران، الآية (155).
فبين الله أنه قد عفا عن جميع المتولين يوم أحد، فدخل فيهم من هو دون عثمان في الفضل والسابقية، فكيف لا يدخل هو مع فضله، وسابقته، وكثرة حسناته(2 )
ولكن الخارجين عليه لم يعبؤوا بهذا العفو من الله، بل أظهروا وأشاعوا أنهم نقموا عليه فراره يوم أحد، مما يدل دلالة واضحة على أن تسويغهم ليس بتسويغ مجتهد مخطئ، أو تسويغ متحمس ضال، إنما هو تسويغ مضل مفسد يتلمس ما يسوغ به إفساده.
وإلا لما عابوا عليه أمراً قد عفا الله عنه وغفره، ولما أشاعوا ذلك بين المسلمين على ولي أمرهم أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن فراره يوم أحد لا يُحل قتله، فكيف وقد غفر الله له، ولو استحق ذلك لما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم معاقبته، ولما بايعه الصحابة جميعاً بالخلافة.
فلم ير الصحابة رضي الله عنهم في موقفه بأحد ما يستوجب التردد في بيعته بعد عفو الله عنه وعن سائر الفارين.
بل رأوا في مواقفه الأخرى، ما يقدمه إلى أعظم مسؤوليات الدولة، وهي: الخلافة.
ولكن الخارجين عليه كانوا يفتشون عن مسوغات للفتنة، والتمرد، وقتل الخليفة، فتشبثوا بهذا الأمر وبغيره من المسوغات الواهية الأخرى.
مما يبين جلياً أن الشيطان قد استحوذ عليهم، حتى أنساهم ذكر الله(كما في قوله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} سورة المجادلة، الآية (19) ) وزين لهم أعمالهم فأضلهم عن السبيل، وهم يحسبون أنهم مهتدون.
ولما سأل ذلك الخارجي( 3 ) ابن عمر رضي الله عنهما عن فرار عثمان يوم أحد، شهد ابن عمر على فراره؛ فكبر الخارجي شماتة بعثمان، فقال له ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له… اذهب بها الآن معك ( 4 ).
__________

ثالثاً: تخلفه عن بيعة الرضوان:
ومنها تخلفه عن بيعة الرضوان(5 ) وقد كانت بيعة الرضوان في مستهل ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، تحت شجرة سمرة في مكان بالقرب من مكة يسمّى بالحديبية( 6 ).
دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أرسل عثمان رضي الله عنه إلى أهل مكة يفاوضهم، ويبين لهم هدف المسلمين من قدومهم، وأنه العمرة وليس القتال، فلما استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم عثمان، وبلغه أن المشركين قد قتلوه، بايع أصحابه على قتال المشركين ثأراً لعثمان رضي الله عنه.
ونظراً لاحتمال عدم صدق الخبر بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيده على اليد الأخرى عن عثمان رضي الله عنه.
وقد بيّن الله جل وعلا فضل أصحاب هذه البيعة، في آيات عديدة، كما بينه أيضا الرسول صلى الله عليه وسلم.
فمن الآيات قوله جل وعلا: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} سورة الفتح، الآية (18، وانظر تفسيرها في تفسير ابن كثير (4/190-191).
ومن الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية لمن شهدها: “أنتم خير أهل الأرض” (7).
وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها” (8 ).
ومنذ أداء تلك البيعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ظلت مفخرة لمن شهدها، يعرف الناس فضلهم وقدرهم، ومكانتهم، ولا يعاب من لم يشهدها ممن كان في المدينة، وغيرها من المسلمين، ولما بدأ الناس في الطعن على عثمان رضي الله عنه، وتلمسوا ما يعيبونه به، أظهروا أنهم استساغوا الخروج عليه بعدة أمور: منها المفتراة، ومنها ما هو منقبة له في الحقيقة.
وعدم شهوده بيعة الرضوان هو من هذا الصنف الأخير، فإن عدم شهوده إياها فيه ما يدل على سموّ مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيه منقصة له.
لكن أفهام القوم قاصرة، وقلوبهم حاقدة، حتى إن أحدهم جاء إلى ابن عمر -رضي الله عنهما - يناشده: أَشَهِد عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان؟.
فقال له ابن عمر: لا، وقبل انصراف الرجل، بيّن له ابن عمر رضي الله عنهما أن عدم شهوده البيعة لا يعدّ عيباً فيه، بل منقبة له، فإن سبب تغيبه عنها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أهل مكة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه لعثمان( 9) فَيَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يد من بايع بيده.
وفي ذلك يقول أبو نعيم: “وأما بيعة الرضوان فلأجل عثمان رضي الله عنه وقعت هذه المبايعة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه رسولاً إلى أهل مكة لِمَا اختص به من السؤدد والدين، ووفور العشيرة، وأُخبِر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون له على الموت ليوافوا أهل مكة(10).
فعدم حضور عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان يُعَدّ منقبة له وليس مثلبة فيه، ولكن القلوب الحاقدة قلبتها إلى مثلبة وعابته بها.
وتتلخص هذه المنقبة في أمور أربعة:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم اختاره لأداء تلك المهمة، وهذا دليل على فضله رضي الله عنه وصلاحيته لها.
الثاني: أنه من أهل بيعة الرضوان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بايع له بإحدى يديه على الأخرى.
الثالث: أنه رضي الله عنه امتاز على باقي أصحاب الشجرة بأن النبي بايع عنه بيده الأخرى، فيد النبي صلى الله عليه وسلم خير من أيديهم رضي الله عنهم أجمعين.
الرابع: أن البيعة إنما عقدت من أجله مما يبين مكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم.
************************************************** **********
الحواشي:
1-انظر عن هذه الغزوة: (المجتمع المدني -الجهاد ضد المشركين ص: 65، 86)، ومرويات غزوة أحد لحسين الباكري.
2- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (6/ 29
3- جاء في إحدى روايات البخاري أنه رجل من أهل مصر (الفتح 7/ 54، وذكر الحافظ ابن حجر أنه العلاء بن عرار (الفتح 7/ 364
4-البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (7/ 54، 363)، والترمذي، السنن (5/629)، وأحمد، المسند (بتحقيق: أحمد شاكر 8/ 101-102، 199-200)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (3/ 160)، والطيالسي، المسند (264)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان ( 254-256)، وذكره المحب الطبري، في الرياض النضرة (3/ 24-25)، انظر الملحق الرواية رقم: [22].

5- عن بيعة الرضوان وتفاصيلها؛ انظر : مرويات غزوة الحديبية، للدكتور/ حافظ الحكمي (ص:148-157) والمجتمع المدني (الجهاد ضد المشركين، للدكتور/ أكرم العمري (ص: 127-135).
6- قال مجد الدين ابن الأثير: “مخففة وكثير من المحدثين يشددها” النهاية في غريب الحديث والأثر (1/349.
7- رواه البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (7/443)
8- رواه مسلم، الجامع الصحيح، (163) وأحمد، المسند (6/420)
9- صحيح البخاري، فتح الباري (7/54، 363) والترمذي، السنن (5/629) وابن أبي شيبة، المصنف (14/442-443)، وأحمد، المسند، بتحقيق أحمد شاكر (8/101-102، 199، 200) وأبوداود الطيالسي، المسند (264)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (3/160)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (254-256)وذكره المحبّ الطبري، الرياض النضرة (3/ 24-25) وانظر: الملحق، الرواية رقم: [22]
10- الإمامة (304 بتحقيق) الدكتور علي ناصر فقيهي.
**************************************
يتبع إن شاء الله تعالى

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر