بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة الإمام المحدث الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى:
اسمه ونسبه ومولده ونشأته:
فضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي، أبو علي الزاهد، أحد صلحاء الدنيا وعبادها. تهذيب الكمال للمزي - (23 / 281)
ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد - مدينة بين سرخس ونسا- بعد سنة 100هـ تقريباً-، وكتب الحديث بالكوفة وتحول إلى مكة فسكنها ومات بها.
قصة توبته :
ذكر بعض من ترجم لهذا الإمام أنه كان قاطع طريق، ثم تاب بعد ذلك وأصبح من العلماء الأجلاء، وهذه قصة توبته.
قال أبو عمار الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى: كان الفضيل بن عياض شاطراً ( [1]) يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس،
وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليا يتلو (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) الحديد (16). فلما سمعها قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خربه فإذا فيها سابلة فقال بعضهم: نرتحل وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين هاهنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لارتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام. تهذيب الكمال للمزي - (23 / 286).
وأورد الإمام الذهبي هذه القصة بنحوها فقال :
قال إبراهيم بن الليث: حدثنا المحدث علي بن خشرم قال: أخبرني رجل من جيران الفضيل من أبيورد، قال: كان الفضيل يقطع الطريق وحده، فبينا هو ذات لليلة، وقد انتهت إليه القافلة، فقال بعضهم: اعدلوا بنا إلى هذه القرية، فإن الفضيل يقطع الطريق.
فسمع ذلك، فأرعد، فقال: يا قوم جوزوا، والله لاجتهدن أن لا أعصي الله.
قال الإمام الذهبي معلقاً على هذه القصة :
وروي نحوها من وجه آخر، لكنه في الاسناد ابن جهضم، وهو هالك.
وبكل حال: فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأئمة.
فنواصي العباد بيد الله تعالى، وهو يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب. سير أعلام النبلاء - (8 / 437-43
وانظر كتاب
التوابين - (1 / 5
لا بن قدامة
مكانته وثناء العلماء عليه :
قال الإمام الذهبي : الفضيل بن عياض الامام القدوة شيخ الاسلام أبو على التميمي اليربوعي المروزي شيخ الحرم.( تذكرة الحفاظ - (1 / 245)
وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: سمعت سفيان بن عيينة يقول: فضيل ثقة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قال عبد الرحمان بن مهدي: فضيل بن عياض رجل صالح ولم يكن بحافظ ([2] ).
وقال العجلي: كوفي، ثقة، متعبد، رجل صالح، سكن مكة.
وقال الحسين بن إدريس الانصاري، عن محمد بن عبدالله ابن عمار: ليت فضيلا كان يحدثك بما يعرف.
قلت: ترى حديثه حجة ؟ قال: سبحان الله.
وقال أبو حاتم : صدوق.
وقال النسائي: ثقة مأمون، رجل صالح.
وقال الدار قطني: ثقة.
وقال محمد بن سعد : كان ثقة نبيلاً فاضلاً عابداً ورعاً كثير الحديث.
وقال عبد الله ابن المبارك يقول: رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس.
فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي رواد، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة، ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله.
وقال إبراهيم بن شماس عن ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من الفضيل بن عياض.
وقال أبو السري نصر بن المغيرة البخاري: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت أفقه الناس، وأورع الناس، وأحفظ الناس.
فأما أحفظ الناس فابن المبارك، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أفقه الناس فوكيع بن الجراح.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن عبيدالله بن عمر القواريري: أفضل من رأيت من المشايخ: بشر بن منصور السليمي، وفضيل بن عياض، وعون بن معمر، وحمزة بن نجيح.
وقال النضر بن شميل: سمعت هارون الرشيد يقول: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك بن أنس، ولا أورع من الفضيل بن عياض.
وقال أحمد بن أبي الحواري، عن الهيثم بن جميل: سمعت شريك بن عبدالله يقول: لم يزل لكل قوم حجة في أهل زمانهم، وإن فضيل بن عياض حجة لأهل زمانه.
وقال عبد الصمد بن يزيد الصائغ مردوية: قال لي عبدالله بن المبارك: إن الفضيل بن عياض صدق الله فأجرى الحكمة على لسانه فالفضيل ممن نفعه علمه.
وقال أبو بكر المقاريضي المذكر: سمعت بشر بن الحارث يقول: عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال لا يدخلون بطونهم إلا حلال ولو استفوا التراب والرماد: قلت: من هم يا أبا نصر ؟ قال: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، ويوسف بن أسباط، وأبو معاوية نجيح الخادم، وحذيفة بن قتادة المرعشي، وداود الطائي، ووهيب بن الورد، وفضيل بن عياض، وعلي بن فضيل.
وقال إسماعيل بن يزيد عن إبراهيم بن الاشعث: ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل بن عياض، كان إذا ذكر الله، أو ذكر عنده أو سمع القرآن ظهر به الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكى حتى يرحمه من بحضرته، وكان دائم الحزن شديد الفكرة.
ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله وأخذه وعطائه ومنعه وبذله وبغضه وحبه وخصاله كلها غيره.
وقال أيضا عنه: كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكي كأنه مودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس، فكأنه بين الموتى جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم، وكأنه رجع من الاخرة يخبر عنها (تهذيب الكمال للمزي - (23 / 286-290).
وقال إبراهيم بن الأشعث: رأيت ابن عيينة يقبل يد الفضيل بن عياض مرتين.
وعن ابن أبي عمر قال: ما رأيت بعد الفضيل أعبد من وكيع.
وعن ابن المبارك قال: إذا نظرت إلى الفضيل، جدد لي الحزن، ومقت نفسي، ثم بكى.
وقال أبو سعيد المفضل بن محمد الجندي : حدثنا إسحاق ابن إبراهيم الطبري، قال: ما رأيت أحدا كان أخوف على نفسه ولا أرجى للناس من الفضيل، كانت قراءته حزينة، شهية، بطيئة مترسلة، كأنه يخاطب إنسانا، وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها، وسأل.
وكانت صلاته بالليل أكثر ذلك قاعدا، يلقي له حصير في مسجده، فيصلي من أول الليل ساعة ثم تغلبه عينه فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلا، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم هكذا حتى يصبح، وكان دأبه إذا نعس أن ينام.
ويقال: أشد العبادة ما كان هكذا.
وكان صحيح الحديث، صدوق اللسان، شديد الهيبة للحديث إذا حدث (( سير أعلام النبلاء - (8 / 43
اتهامه برواية أحاديث تذم عثمان رضي الله عنه :
ذكر بعض الرواة-هو قطبة بن العلاء -أن الفضيل روى أحاديث تذم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو اتهام باطل رده العلماء و انتقدوه ودافعوا عن الفضيل رحمه الله.
قال الأمام الذهبي رحمه الله تعالى :
ولا عبرة بما نقله أحمد بن أبي خيثمة، سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل بن عياض، لانه روى أحاديث أزرى على عثمان بن عفان.
قلت- أي الذهبي-: فلا نسمع قول قطبة، ليته اشتغل بحاله، فقد قال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي وغيره: ضعيف.
وأيضا فالرجل- أي الفضيل- صاحب سنة واتباع.
قال أحمد بن أبي خيثمة: حدثنا عبد الصمد بن يزيد الصائغ، قال: ذكر عند الفضيل وأنا أسمع الصحابة، فقال: اتبعوا فقد كفيتم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
قلت- أي الذهبي-: إذا كان مثل كبراء السابقين الاولين قد تكلم فيهم الروافض والخوارج، ومثل الفضيل يتكلم فيه، فمن الذي يسلم من ألسنة الناس، لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله، لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع.
وهل يراد من العلم إلا ما انتهى إليه الفضيل رحمة الله عليه ؟. ((سير أعلام النبلاء - (8 / 44
).
وقال أيضا في (الميزان): شيخ الحرم وأحد الأثبات مجمع على ثقته وجلالته، ولا عبرة بما رواه أحمد بن أبي خيثمة، قال: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل بن عياض، لانه روى أحاديث أزرى فيها عثمان رضي الله عنه فمن قطبة ؟ وما قطبة حتى يجرح، وهو هالك ! ! (الذهبي- ميزان الاعتدال- 3 / الترجمة 676
وقال ابن حجر في (التهذيب): ولم يلتفت أحد إلى قطبة في هذا (8 / 296).
شيوخه وتلاميذه ( [3]):
حدث عن منصور بن المعتمر وبيان بن بشر وابان بن ابي عياش وابي هارون العبدي وحصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب وطبقتهم بالكوفة.
روى عنه ابن المبارك ويحيى القطان والقعنبي والشافعي وأسد بن موسى وقتيبة وبشر الحافي ومسدد ويحيى بن يحيى التميمي وأحمد بن المقدام وخلق كثير.
من أقواله ومواعظه :
قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى :
وللفضيل رحمه الله مواعظ، وقدم في التقوى راسخ (سير أعلام النبلاء - (8 / 442)
فمن مواعظه وأقواله :
قال عبد الصمد بن يزيد مردويه: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لم يتزين الناس بشئ أفضل من الصدق وطلب الحلال.
فقال له علي-ابنه-: يا أبة إن الحلال عزيز: قال الفضيل: يا بني وإن قليله عند الله كثير.
وقال سري بن المغلس السقطي: سمعت الفضيل بن عياض يقول: من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.
وقال الفيض بن إسحاق الرقي: سمعت الفضيل بن عياض، وسأله عبدالله بن مالك، فقال: يا أبا علي ما الخلاص مما نحن فيه ؟ فقال الفضيل: أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد ؟ قال: لا.
قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد ؟ قال: لا.
قال: هو الخلاص إن أردت الخلاص.
وقال إبراهيم بن الأشعث : سمعت الفضيل بن عياض يقول: إن رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وإن زهادته في الدنيا على قدر رغبته في الاخرة.
قال وسمعت الفضيل بن عياض يقول: من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم وفقه الله لما لا يعلم.
قال: وسمعت الفضيل يقول: من ساء خلقه شأن دينه وحسبه ومرؤته.
قال: وسمعت الفضيل يقول: أكذب الناس العائد في ذنبه، وأجهل الناس المذل بحسناته، وأعلم الناس بالله أخوفهم منه.
قال : وسمعت الفضيل يقول: لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه.
وقال محمد بن عبدويه: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك، والاخلاص: أن يعافيك الله عنهما.
وقال سلم بن عبدالله الخراساني: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إنما أمس مثل، واليوم عمل، وغدا أمل.
وقال الفيض بن إسحاق الرقي: قال الفضيل بن عياض: والله ما يحل لك أن تؤذي كلباً ولا خنزيراً بغير حق، فكيف تؤذي مسلما ؟ !
وقال أبو بكر بن عفان: سمعت فضيل بن عياض يقول: لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه.
وقال محمد بن أبي القاسم مولى بني هاشم: قال الفضيل ابن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك كذلك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك كذلك يصغر عند الله.(تهذيب الكمال)
قال ابن المبارك ما بقى على ظهر الأرض أفضل من الفضيل. تذكرة الحفاظ - (1 / 246)
وقال عبد الصمد مردويه سمعت الفضيل يقول: من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة.
قال عبد الله بن خبيق قال الفضيل تباعد من القراء فإنهم ان أحبوك مدحوك بما ليس فيك، وان غضبوا شهدوا عليك وقبل منهم.
وقال محمد بن علي بن شقيق: حدثنا أبو إسحاق قال: قال الفضيل: لو خيرت بين أن أعيش كلباً وأموت كلبا، ولا أرى يوم القيامة، لاخترت ذلك.
وقال فيض بن إسحاق: سمعت الفضيل يقول: والله لان أكون ترابا أحب إلي من أن أكون في مسلاخ أفضل أهل الارض، وما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته، إذاً لطاش عقلي.
وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: سمعت الفضيل يقول: لو قلت: إنك تخاف الموت ما قبلت منك، لو خفت الموت ما نفعك طعام ولا شراب، ولا شئ.
ما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته إذاً لطاش عقلي، ولم أنتفع بشئ.
وقال عبد الصمد بن يزيد: سمعت الفضيل يقول: لا تجعل الرجال أوصياءك، كيف تلومهم أن يضعيوا وصيتك، وأنت قد ضيعتها في حياتك.
وسمعته يقول: إذا أحب الله عبدا، أكثر غمه، وإذا أبغض عبدا، وسع عليه دنياه.
وقال إبراهيم بن الاشعث: سمعت الفضيل يقول: من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذُكر.
وسمعته يقول: وعزته، لو أدخلني النار ما أيست.
وسمعته وقد أفضنا من عرفات يقول: واسوأتاه والله منك - وإن عفوت.
وسمعته يقول: الخوف أفضل من الرجاء مادام الرجل صحيحا، فإذا نزل به الموت، فالرجاء أفضل.
قال الذهبي معلقاً: ((قلت: وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " ( [4]).
روى أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن علي بن الحسن قال: بلغ الفضيل أن حريزاً يريد أن يأتيه، فأقفل الباب من خارج، فجاء فرأى الباب مقفلا، فرجع، فأتيته، فقلت له: حريز.
قال: ما يصنع بي، يظهر لي محاسن كلامه، وأظهر له محاسن كلامي، فلا يتزين لي، ولا أتزين له، خير له.
ثم قال علي: ما رأيت أنصح للمسلمين، ولا أخوف منه، ولقد رأيته في المنام قائما على صندوق يعطي المصاحف، والناس حوله، فيهم: سفيان بن عيينة، وهارون أمير المؤمنين، فما رأيته يودع أحدا، فيقدر أن يتم وداعه.
قال فيض بن وثيق : سمعت الفضيل يقول: إن استطعت أن لا تكون محدثا ولا قارئا، ولا متكلما.
إن كنت بليغا، قالوا: ما أبلغه، وأحسن حديثه، وأحسن صوته، فيعجبك ذلك، فتنتفخ، وإن لم تكن بليغا، ولا حسن الصوت، قالوا: ليس يحسن يحدث، وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك، وشق عليك، فتكون مرائيا، وإذا جلست، فتكلم